لماذا يرتفع الذهب ويستقر الدولار؟ قراءة في مستقبل الاقتصاد المصري خلال 2026 تحليل اقتصادي يقرأ دلالات الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب مقابل استقرار نسبي في سعر الصرف، وتأثير ذلك على التضخم، الاستثمار، والاستقرار المالي في مصر. بقلم: د. محمد مصطفى محيي
في الوقت الذي تتجه فيه معظم الاقتصادات الناشئة لمواجهة ضغوط متزايدة على عملاتها المحلية، يبرز المشهد النقدي في مصر خلال بداية عام 2026 بصورة لافتة؛ إذ تسجل أسعار الذهب قفزات تاريخية غير مسبوقة، بينما يحافظ سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري على قدر من الاستقرار النسبي. هذا التباين يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يعكس استقرار الدولار قوة حقيقية في الأساسيات الاقتصادية، أم أنه استقرار مؤقت تفرضه إدارة نقدية حذرة في مواجهة عاصفة عالمية متصاعدة؟
من وجهة نظري، فإن قراءة هذا المشهد تتطلب تجاوز الأرقام المجردة، والانتقال إلى تحليل أعمق للتفاعلات بين المتغيرات العالمية، والسياسات الاقتصادية المحلية، وسلوك الأفراد والمستثمرين.
حتى 21 يناير 2026، أظهرت بيانات البنك المركزي المصري استقرار سعر صرف الدولار عند مستويات 47.32 جنيهًا للشراء و47.46 جنيهًا للبيع، مع تحرك الأسعار داخل البنوك التجارية الكبرى في نطاق ضيق. ويعكس ذلك حالة من التوازن النسبي بين العرض والطلب على العملة الأجنبية، مدعومة بتحسن نسبي في احتياطيات النقد الأجنبي واستمرار تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل، إلى جانب إدارة أكثر انضباطًا لسوق الصرف مقارنة بسنوات سابقة.
في المقابل، شهد سوق الذهب ارتفاعات حادة، حيث سجل عيار 21 نحو 6530 جنيهًا للجرام، وتجاوز سعر الجنيه الذهب 52 ألف جنيه، بينما تخطت أونصة الذهب عالميًا مستوى 4850 دولارًا. هذه المستويات تعكس تصاعد الطلب على الذهب كملاذ آمن في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي التي تسيطر على الاقتصاد العالمي.
اقتصاديًا، لا يُعد هذا التناقض بين صعود الذهب واستقرار الدولار أمرًا متعارضًا بالضرورة. فالذهب يتحرك مدفوعًا بعوامل عالمية تتعلق بالمخاطر، وضعف الثقة في الأصول التقليدية، والتوترات الجيوسياسية، بينما يخضع سعر الصرف المحلي لمعادلة أكثر تعقيدًا، تجمع بين السياسات النقدية، وتدفقات النقد الأجنبي، وإدارة الطلب على العملة.
غير أن هذا الاستقرار في سعر الدولار لا ينبغي النظر إليه باعتباره استقرارًا هيكليًا دائمًا، بل كحالة قابلة للتغير السريع إذا ما تعرضت البيئة الخارجية لصدمات جديدة، سواء على مستوى التجارة العالمية أو حركة رؤوس الأموال.
على المستوى الداخلي، يترك هذا المشهد النقدي آثارًا مباشرة على الاقتصاد الحقيقي. فارتفاع أسعار الذهب يُعد مؤشرًا غير مباشر على تصاعد الضغوط التضخمية، خاصة في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات. ومع انتقال أثر تقلبات الدولار إلى أسعار السلع المستوردة، تتزايد تكاليف المعيشة، ما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية، خصوصًا لدى الشرائح متوسطة ومحدودة الدخل.
في المقابل، يسهم استقرار سعر الصرف في الحد من تفاقم أعباء خدمة الدين الخارجي، وهو عنصر محوري في الحفاظ على الاستقرار المالي. كما يؤدي ارتفاع أسعار الذهب إلى تعزيز قيمة احتياطيات الدولة من المعدن النفيس، بما يدعم ثقة الأسواق والمؤسسات الدولية في متانة المركز المالي للاقتصاد المصري.
وعلى مستوى سلوك الأفراد، اتجه قطاع واسع من المواطنين إلى توظيف مدخراتهم في الذهب كوسيلة للتحوط من التضخم وعدم اليقين. ورغم منطقية هذا السلوك من منظور فردي، فإن استمراره على نطاق واسع قد يؤدي إلى سحب السيولة من قطاعات إنتاجية واستثمارية، بما قد ينعكس سلبًا على معدلات النمو الاقتصادي على المدى المتوسط.
أما فيما يتعلق بالتوقعات خلال عام 2026، فإن الاتجاهات العالمية تشير إلى احتمال استمرار المسار الصعودي لأسعار الذهب، مع إمكانية وصول الأونصة إلى مستوى 5000 دولار في حال استمرار التوترات الجيوسياسية. محليًا، قد يحافظ الذهب عيار 21 على مستويات مرتفعة تتراوح بين 6500 و7000 جنيه، ما لم يحدث تحسن ملموس في سعر الصرف أو تراجع عالمي في أسعار المعدن.
في المقابل، من المرجح أن يستمر الدولار في التحرك داخل نطاق 47–48 جنيهًا، مع فرص تحسن محدودة حال نجاح السياسات الاقتصادية في جذب استثمارات أجنبية طويلة الأجل وتعزيز الصادرات.
ويمكن القول إن تقلبات أسعار الذهب واستقرار الدولار خلال عام 2026 تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصاد المصري على إدارة التوازن بين الضغوط الخارجية ومتطلبات الاستقرار الداخلي. فالذهب المرتفع يعكس حالة عدم يقين عالمية لا يمكن تجاهلها، بينما يمنح استقرار سعر الصرف فرصة مؤقتة لإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية. وتبقى القدرة على تحويل هذه اللحظة إلى مسار نمو أكثر استدامة مرهونة بتعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع قاعدة الصادرات، وتقليل الاعتماد على التدفقات المالية قصيرة الأجل، بما يرسخ استقرارًا اقتصاديًا أكثر صلابة على المدى الطويل.